الجصاص

49

الفصول في الأصول

ويخشى عليه الإثم ، ولا يحكم عليه بالضلال ، لأن ابن عباس عارض حديث الصرف بخبر أسامة بن زيد ( لا ربا إلا في النسيئة ) . ( 1 ) والخوارج خالفت الإجماع ، وخبر المسح على الخفين : رواه جماعة كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، خالف فيه ابن عباس ، وعائشة وأبو هريرة . وقالوا : إن المسح كان قبل نزول ( 2 ) المائدة ، فأخطأوا ، لم يحكم عليهم بالضلال ، ويخشى عليهم المأثم ، وكذلك خبر الشاهد واليمين ، لأن القائل به لا يدري هو ثابت الحكم ، أم لا ، ويرد قضاء من قضى به ( لأن ظاهر الآية يرده ) . ( 3 ) قال : ومما يخاف عليه الإثم ولا يحكم عليه بالضلال ، من استحق دما بالقسامة مع علمهم أن المخالفين كاذبون في حلفهم ، وأنه خلاف الكتاب ، قال الله تعالى : ( ولا تقف ما ليس لك به علم ) ( 4 ) وقال تعالى : ( إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ) . ( 5 ) وأنكره جماعة من السلف ، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم وكبار الصحابة خلافه . قال عيسى بن أبان رحمه الله : والوجه الثالث : ما روى في الأخبار المختلفة لا نعلم الناسخ منها ، واختلفت الأمة في العمل بها ، مع احتمال التأويل فيها ، كاختلافهم في أقل الحيض وأكثره ، وكاختلافهم في قوله تعالى : ( فإن كان له إخوة ) ( 6 ) وقال بعضهم : لا تكون الإخوة أقل من ثلاثة . وقال آخرون : اثنان . وكاختلافهم في مقدار السفر فيه ، وما أشبهه طريقه اجتهاد الرأي ، ولا يأثم المخطئ ، فيه ولا يضل . قال أبو بكر رحمه الله : والذي ذكره عيسى في هذا الموضع من تقسيم منازل موجب الأخبار غير مخالف لما حكينا عنه في خبر التواتر ، أنه قسم واحد ، وهو الذي يوجب علم الاضطرار ، لأن خبر الرجم إنما أوجب العلم عنده لا من طريق التواتر ، لكن لأن الأمة عملت به سلفها وخلفها ، ولا يعد الخوارج خلافها ، فإنما يوجب العلم بوجوب هذه الأخبار لمساعدة إجماع السلف إياه ، وجعل خبر المسح على الخفين وخبر الصرف دون ذلك ، لأن قوما ممن يعتد بخلافهم على السلف قد ذهبوا إليهما ، إلا أنه كان عليهم المصير إلى ما روته الجماعة ، وأخطأوا بتركهم ذلك ، ولم يبلغوا منزلة الضلال .